أبو نصر الفارابي
9
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
وقوى النفس متراتبة بعضها أشرف من بعض ؛ أدناها الغاذية وأشرف منها الحاسة فالمتخيلة فالناطقة . أما النزوعية فتابعة لها جميعا . والدنيا شبه مادة للعليا ، والعليا شبه صورة للدنيا . وكذلك الحال في أعضاء الجسم ، إنها متراتبة أعلاها القلب وأدنى منه بقليل الدماغ فالكبد فالطحال فأعضاء التوليد . والقلب مركز جميع قوى النفس ، وينبوع الروح الحيوانية أو الحرارة الغريزية . وبذا يميز الفارابي بين الروح والنفس . والدماغ يعدل الحرارة الغريزية ، وينقل الاحساسات التي في الخارج بواسطة الحواس الخمس والأعصاب إلى أعضاء الحركة . وهو يخدم القلب عندما يفكر ويتخيل ويحفظ ويتذكر ، بأن يعدل حرارته . ومن هنا اقتضت الحكمة أن تكون مغارز الأعصاب في الدماغ وليس في القلب . أما القوة المولدة فمركزها القلب أيضا وخدمها أعضاء التوليد عند كل من الذكر والأنثى . والمرأة تعطي مادة الجنين وهي دم الرحم ، والرجل يعطي صورة الجنين الموجودة في المني ، والمني يتكون في عروق الأنثيين ويصب في الرحم ويمنح الدم صورة الجنين . وأول ما يتكون في الجنين القلب ، وإذا حصلت في الجنين ، عند تكون الغاذية ، القوة التي تعد مادة الجنين كان الجنين أنثى ، وإذا حصلت فيه القوة التي تعطي الصورة جاء الجنين ذكرا . والمرأة والرجل لا يختلفان إلا بأعضاء التوليد ، وفي كون الرجل أقوى جسما وأقسى قلبا . وهما يشتركان في قوى النفس وفي سائر الأعضاء ، ولا يوجد فرق بينهما في قوى الاحساس أو التخيل أو العقل . ويولي الفارابي القوة الناطقة والقوة المتخيلة أهمية قصوى ، فبهما تتم المعرفة ، وعلى المتخيلة تعتمد الأحلام والنبوة . فالناطقة تتلقى رسوم المعقولات ، والمعقولات تكون بالقوة كالعقول المفارقة ، أو بالفعل كالأجسام الطبيعية ، والعقل البشري هو « هيئة ما في مادة